الجاحظ

43

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

فقام إليه أبو بلال مرداس بن أديّة « 1 » ، وهو يهمس ويقول : أنبأنا اللّه بغير ما قلت ، فقال : ( وإبراهيم الذي وفي . ألا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للانسان إلا ما سعى ) . وأنت تزعم إنك تأخذ البريء بالسقيم ، والمطيع بالعاصي ، والمقبل بالمدبر . فسمعه زياد فقال : أنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضا . وقال الشعبي : ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسيء ، إلا زيادا ، فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما . أبو الحسن المدائني قال : قال الحسن : أوعد عمر فعوفي ، وأوعد زياد فابتلي . قال : وقال الحسن تشبه زياد بعمر فأفرط ، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس . [ مقطعات وخطب قصيرة ] قال أبو عثمان : قد ذكرنا من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخطبه صدرا ، وذكرنا من خطب السلف رحمهم اللّه جملا ، وسنذكر من مقطّعات الكلام ، وتجاوب البلغاء ، ومواعظ النساك ، ونقصد من ذلك إلى القصار دون الطوال ، ليكون ذلك أخفّ على القارئ ، وأبعد من السآمة والملل . ثم نعود بعد ذلك إلى الخطب المنسوبة إلى أهلها إن شاء اللّه . ولا قوة إلا باللّه . قال أبو الحسن المدائني : قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي ، على المهلّب بن أبي صفرة ، في بعض أيامه مع الأزارقة ، فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال : « شدّ اللّه الاسلام بتلاحقكم ، فو اللّه لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة » .

--> ( 1 ) مرداس بن أدية : أحد زعماء الخوارج ، خرج زمن يزيد بن معاوية قرب البصرة على عبيد اللّه بن زياد فوجه اليه حملة وهزمه وقتل سنة 61 ه .